العلامة المجلسي
291
بحار الأنوار
خلق شئ ، ولا حفظ شئ عن حفظ شئ ، ولا يساوى به شئ ، ليس كمثله شئ ، وهو السميع البصير . سبحان الله بارئ النسم ، سبحان الله الذي لا يحصي نعماءه العادون ، ولا يجزي بآلائه الشاكرون المتعبدون ، وهو كما قال وفوق ما نقول ، والله كما أثنى على نفسه ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ( 1 ) . بيان : هذا الدعاء سيأتي برواية أبي بصير في أدعية شهر رمضان وهو أكثر مما أورده هنا ، ولعله وصل إليه بروايتين ، فذكر في كل موضع برواية وسنورد شرحه هناك إنشاء الله تعالى . 85 - المتهجد وغيره : ذكر ابن خانبه ( 2 ) أنه يستحب أن يدعو بعد الوتر فيقول : سبحان ربي الملك القدوس الحي العزيز الحكيم ثلاث مرات ثم يقول :
--> ( 1 ) مصباح المتهجد : 117 - 119 . ( 2 ) هو أحمد بن عبد الله بن مهران الكرخي المعروف بابن خانبه ، روى الكشي عن علي بن محمد القتيبي قال حدثني أبو طاهر محمد بن علي بن بلال - وسألته عن أحمد عبد الله الكرخي ، إذ رأيته يروى كتبا " كثيرة عنه - فقال : كان كاتب إسحاق بن إبراهيم فتاب وأقبل على تصنيف الكتب ، وكان أحمد من غلمان يونس بن عبد الرحمان رحمه الله ويعرف به ، ويعرف بابن خانبه ، كان من العجم . ونقل عن البحراني أنه استشكل في رواياته لكونه من كتاب الظلمة ، وأجاب عنه المامقاني بأن سكوته في حال توبته يكشف عن صحة رواياته الأولى ، وعلق عليه التستري في قاموسه بأن الصواب في الجواب أن يقال : إنه وقت كونه من كتاب الظلمة كان في ديوان رسائلهم في كتبهم إلى الأطراف ولم تكن له رواية حتى تصح أو لا تصح ، مع أنه بعد ما تاب لم يرو رواية أيضا " كما عرفت من الشيخ ( انه ما ظهر له رواية وصنف كتاب التأديب وهو كتاب يوم وليلة ) مع أنه قد ورد الخبر من العسكري عليه السلام بصحة كتابه والعمل به . أقول : أما الرواية ، فقد ذكر الأردبيلي أنه روى في باب فضل الصلاة من أبواب زيادات التهذيب وفى باب صوم المتمتع إذا لم يجد الهدى من كتاب حج الكافي ترى الأول في التهذيب ج 1 ص 204 ط حجر ج 2 ص 240 باسناده عن سعد ، عن أحمد ابن هلال ، عن أحمد بن عبد الله الكرخي ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد الله عليه السلام ( وأظنه تصحيفا " من يونس بن عبد الرحمن فليتحرر ) وترى الثاني في الكافي ج 4 ص 510 باسناده عن بعض أصحابنا عن محمد بن الحسين ، عن أحمد بن عبد الله الكرخي قال : قلت للرضا عليه السلام المتمتع يقدم الحديث ( وأظنه عن أحمد بن عبد الله ، عن يونس بن عبد الرحمن ) . وأما الخبر الذي ورد عن الامام صاحب العسكر بصحة كتابه وأشار إليه المؤلف العلامة في المتن وصححه على ما سيأتي ، فهو الذي نقله ابن طاوس عن أبي محمد هارون بن موسى قال : حدثنا أبو علي الأشعري - وكان قائدا " من القواد - عن سعد بن عبد الله الأشعري قال : عرض أحمد بن عبد الله بن خانبة كتابه على مولانا أبى محمد الحسن بن علي بن محمد صاحب العسكر الاخر ، فقرءه وقال : صحيح فاعملوا به . ولكن في الحديث وهم يخرجه عن الصحة ، فان أحمد بن خانبه مات في سنة 234 بعد ولادة أبي محمد عليه السلام بسنتين ، فلا يعقل أن يعرض هو كتابه على أبى محمد عليه السلام بنفسه ، كما كان صريح كلام سعد على ما نقله ابن طاووس . وقصارى ما يحتمل في صدق الحديث أن يكون أصل العرض والتصويب مشهورا " مشتهرا " عند الأصحاب بحيث يرسل ارسال المسلمات ، فتوهم سعد أو أحد رواته أن أحمد بن خانبه هو الذي عرض كتابه على أبى محمد عليه السلام بنفسه فنقله بهذه الصورة ، فأصل الخبر صدق فان سعد بن عبد الله أجل قدرا " من أن يقول ما لا يعلم ، الا أن الحديث مرسل وليس على ما صححه العلامة المؤلف رضوان الله عليه . بيان ذلك أن ابن خانبة كان كاتبا " من غلمان يونس بن عبد الرحمان مولى آل يقطين يكتب له كتبه ويعينه في ذلك ويصنف له على ما سيمر عليك من معنى التصنيف ، ومما كتبه وصنفه كتاب التأديب ( كتاب عمل اليوم والليلة ) ولما كان تأليف دعواته وترتيب فصوله وأبوابه بعناية هذا الكاتب ، وأصل انشائه واملائه ورواية أحاديثه وفتاواه بعناية أستاذه يونس بن عبد الرحمن وتحت اشرافه ، انتسب الكتاب تارة إلى هذا ، ومرة إلى ذاك ، خصوصا " بعد ما تناوله أيدي العوام ، وتعاطاه الخلف عن السلف ، واشتهر أمره بين المتعبدين لم يتفحصوا عن ذلك كثير تفحص . يدل على ذلك ما رواه النجاشي ص 266 تحت عنوانه محمد بن أحمد بن عبد الله بن مهران الكرخي ، بعد ما وثقه بأنه كان سليما " قال : أخبرنا أبو العباس بن نوح قال حدثنا الصفواني قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الوجناء أبو محمد النصيبي قال : كتبنا إلى أبى محمد عليه السلام نسأله أن يكتب أو يخرج الينا كتابا " نعمل به ، فأخرج الينا كتاب عمل ، قال الصفواني : نسخته فقابل بها كتاب ابن خانبة زيادة حروف أو نقصان حروف يسيرة . فالكتاب قد كان عندهم عليهم السلام وخواص أصحابهم ليونس بن عبد الرحمن وعند متأخريهم أنه كتاب ابن خانبة ، ولما قابلوا النسختين لم تكن بينهما اختلاف الا في حروف يسيرة قلما يخلو كتاب قبل طبعه عن ذلك ، خصوصا " كتب الأدعية التي يرغب العوام في انتساخها وتناولها من دون مقابلة وتصحيح . ويزيد ذلك وضوحا " اشتهار كتاب يونس عند الأئمة عليهم السلام ، فقد روى الكشي ص 410 في ترجمة يونس بن عبد الرحمان عن أبي بصير حماد بن عبد الله بن أسيد الهروي ، عن داود بن القاسم أن أبا هاشم الجعفري قال : أدخلت كتاب عمل يوم وليلة الذي ألفه يونس ابن عبد الرحمان على أبى الحسن العسكري عليه السلام فنظر فيه وتصفح كله ثم قال : هذا ديني ودين آبائي ، وهو الحق كله . وروى ص 409 عن جعفر بن معروف قال : حدثني سهل بن بحر قال : حدثني الفضل بن شاذان قال : حدثني أبي الخليل الملقب بشاذان قال : حدثني أحمد بن أبي خلف عن أبي جعفر عليه السلام قال : كنت مريضا " فدخل على أبو جعفر عليه السلام يعودني عند مرضى فإذا عند رأسي كتاب يوم وليلة ، فجعل يصفح ورقه حتى أتى عليه من أوله إلى آخره وجعل يقول : رحم الله يونس ثلاثا . وهكذا روى النجاشي ص 348 قال : قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في كتابه مصابيح النور : أخبرني الشيخ الصدوق أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه رحمه الله قال : حدثنا علي بن الحسين بن بابويه قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال : قال لنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري رحمه الله : عرضت على أبى محمد صاحب العسكر عليه السلام كتاب يوم وليلة يونس فقال لي : تصنيف من هذا ؟ فقلت : تصنيف يونس آل يقطين فقال : أعطاه الله بكل حرف نورا " يوم القيامة . وكيف كان - سواء تسلمنا أن كتاب التأديب لابن خانبه هو الذي عمله يونس بن عبد الرحمان أو كان كتابا " منفردا " بنفسه - الظاهر أن هذه الأدعية المطولة المنقولة منه ، كان من انشاء وتصنيف كاتبه ابن خانبه ، على حد سائر الأدعية الطويلة التي صنفها سائر الكتاب كابن أبى قرة الكاتب في كتابه عمل شهر رمضان ، وأبى الطيب القزويني الكاتب وأبى العباس البغدادي الكاتب في رسالتهما قنوتات الأئمة الأطهار على ما مر في ج 85 ص 211 - 233 وغير ذلك مما هو غير يسير وذلك لان سيرة الأئمة الهادين عليهم صلوات الله الرحمن ، على ما ثبت منهم في الأحاديث الصحيحة والأدعية الواردة عنهم بالقطع واليقين ، هو الثناء على الله عز وجل ثم تحميده وتمجيده ثم الدعاء بما جرى على اللسان ، من دون تطويل وتكرار ، على حد الأدعية الواردة في القرآن العزيز نقلا عن الأنبياء والصديقين والعباد الصالحين . ومما يؤيده أن أدعية كتاب ابن خانبه من تصنيف كاتبه ، أنه لم ينسب الأدعية المطولة الواردة فيه إلى المعصومين ، وإنما يقول : يستحب أن يدعو كذا ، أو : يقول بعد الصلاة الظهر كذا ، مع ما عرفت من الكشي أنه تاب وأقبل على التصنيف ، وما مر في خبر الكشي من قول صاحب العسكر لأبي هاشم " هذا تصنيف من ؟ " وجوابه : " تصنيف يونس آل يقطين " ولنا كلام طويل الذيل في المراد بالأصل والكتاب والتصنيف عند أصحابنا الأقدمين لعل الله أن يوفقنا لشرح ذلك في موضع آخر . وفذلكته : أن الأصل هو الحديث الذي تضمن أصلا من أصول الفقه وقواعده ، وهو المراد بقولهم الأصول الأربعمائة ، وقد كان الأئمة الهادون عليهم صلوات الله الرحمن لا يلقون تلك الأصول الا إلى خواص أصحابهم الفقهاء ، وأن الكتاب والتأليف مطلق يشمل كل تأليف في الحديث والفقه والكلام والمغازي والسير ، وأن التصنيف هو الكتاب الذي عمل صناعة ، وإن كان نسبه المصنف إلى أحد من الأئمة المعصومين . وهذا مثل كتاب سليم بن قيس الذي قيل فيه أنه أول كتاب صنف للشيعة ، أو أول تصنيف ظهر لهم ، فأنكر من لم يعرف هذا الاصطلاح بأن أول كتاب ظهر للشيعة هو كتاب السنن لابن أبي رافع . ومثله تفسير محمد بن القاسم الأسترآبادي الذي نسبه بسند مجهول إلى أبى محمد العسكري عليه السلام وفيه الغث والسمين إلى غير ذلك من الكتب والرسائل . ومن التصنيف بعض الأحاديث التي استخرجها مصنفوها من شتات الاخبار صحاحها وحسانها ، وأحيانا " ضعافها ومجاهيلها ، ثم أبرزها كحديث واحد بسند واحد ، وهذا مثل خبر رجاء بن أبي الضحاك وحديث الأربعمائة باب ومن ذلك كثير من الاحتجاجات المروية عن المعصومين عليهم السلام ، وان كانت مضامينها حقة لا ريب فيها مستندة إلى العقل والبرهان . وأما قراءة هذه الأدعية والقنوتات ، فعندي أنه لا بأس بقراءتها والمناجاة بها مع الله عز وجل ، إذا كان القارئ لها يعرف لغة العرب ويحصل على مضامينها بحيث يصدق عليه الدعاء والمناجاة ، وليشمله عمومات الامر بالدعاء ، خصوصا " بعد ما ورد الرخصة في تأليف الدعاء والقنوت ، إذا كان مؤلفه من المستبصرين البالغين كما مر شرحه في ص 82 - 83 من هذا المجلد . وأما الاحتجاج بألفاظها في القواعد الأدبية ، أو الاستناد إليها في المسائل الاعتقادية فلا يريب في عدم جوازه ذو مسكة ، حتى من يتسامح في أدلة السنن ويطلق استحباب قراءتها فان أخبار من بلغ إنما يجوز قراءة هذه الأدعية رجاء ، ولا يحول اسنادها من الضعف إلى الصحة ، حتى يمكن الاستناد بها في المسائل العلمية ، وبالله التوفيق .